الأربعاء ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦
قناة الشيخ على تيليجرام
  1. الرئيسية
  2. المقالات

مقال الشيخ بلال السالمي -حفظه الله

٤ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٥
المقالاتالأسرة والمرأةالفقه والأحكامالسودانالنوازل والأحداث
مقال الشيخ بلال السالمي -حفظه الله-👇
مقال الأسبوع:

السُّودانُ المنْسِيُّ… بين أنْيَابِ البَغْيِ وصَمْتِ العَالَم (الفاشر نموذج)

الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن البغي والعدوان، والصلاة والسلام على من بعثه الله بالسيف بين يدي الساعة رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:
فقد ابتُلي أهلنا في السودان في هذه الأعوام بفتنةٍ عمياء، أحرقت الأخضر واليابس، وسالت فيها الدماء، وضاعت فيها الأعراض، وتبدَّدت بها الديار، وبرز فيها قومٌ من شرار الخلق، لا يرعون لله حرمة، ولا يعرفون للدين قدرًا، يتزيَّنون بشعاراتٍ كاذبة، وقلوبهم كقلوب الشياطين في جثمان إنس.

هؤلاء هم مليشيا الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذين انقلبوا على الدولة، ونكثوا العهود، واعتدوا على المسلمين في ديارهم، وقتلوا العُزَّل، وخرَّبوا البلاد، واستحلُّوا الحرمات، وسعوا في الأرض فسادًا.

أولًا: حقيقة ما يقوم به هؤلاء البغاة:
إن ما يجري في مدينة الفاشر خاصة، وفي دارفور عامة، من قصفٍ للأحياء السكنية، وحصارٍ للمستشفيات، واعتداءٍ على النساء والأطفال، ونهبٍ للممتلكات، لا يمكن أن يُسمَّى إلا بغيًا محضًا وعدوانًا صارخًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].
فهذه الآية أصلٌ في وجوب قتال البغاة وردِّهم إلى الطاعة والحق، لا شهوةً في القتال، ولا طلبًا للملك، بل نُصرةً للمظلوم، وكفًّا للفتنة، وحفظًا للأمة من التمزق.
ومن تأمل مسلك هذه المليشيات وجد أنهم خالفوا كل أصول الدين، وتنكبوا سبيل المؤمنين:
1- رفعوا السلاح على المسلمين بغير حق.
2- نقضوا البيعة، وخرجوا على السلطان القائم.
3- استباحوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.
4- تحالفوا مع أعداء الأمة، وجعلوا ولاءهم حيث المنفعة والمال.
فهؤلاء ليسوا أهلَ إصلاحٍ ولا عدلٍ كما يتشدقون ويكذبون على البسطاء، بل كلُّ من خرج على الإمام بتأويلٍ سائغٍ فهو باغٍ يجب دفعُه، وإن خرج لطلب الدنيا والرياسة بالتهييج وبالخروج للقتال فهم بغاة من أهل الفتنة والفساد انعقد الإجماع على قتالهم، وممن نقل الإجماع:

1- قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (أجمَعَ العُلَماءُ على أنَّ مَن شَقَّ العَصا وفارَقَ الجَماعةَ، وشَهَر على المُسلِمينَ السِّلاحَ، وأخاف السَّبيلَ، وأفسَدَ بالقَتلِ والسَّلبِ، فقَتلُهم وإراقةُ دِمائِهم واجِبٌ؛ لأنَّ هذا مِنَ الفسادِ العَظيمِ في الأرضِ، والفسادُ في الأرضِ موجِبٌ لإراقةِ الدِّماءِ بإجماعٍ، إلَّا أن يَتوبَ فاعِلُ ذلك مِن قَبلِ أن يُقدَرَ عليه، والانهزامُ عِندَهم قَريبٌ مِنَ التَّوبةِ، وكذلك مَن عَجَز عنِ القِتالِ لم يُقتَلْ إلَّا بما وجَبَ عليه قَبلَ ذلك). ((التمهيد)) (15/291).

2- وكذلك الإمام ابن حزم رحمه الله كما في (مراتب الإجماع) [ص: 125] قال: (ورجعوا إلى الاتفاق على قتال أهل الردة، بعد اختلاف عظيم كان منهم، ولكن الخلاف في هذا من أفحش الخطأ) اهـ

3- وكذلك القاضي عياض كما في (إكمال المعلم بفوائد مسلم) [3/613] قال: (‌أجمع ‌العلماء ‌على ‌أن ‌الخوارج ‌وأشباهَهم من أهل البدع والبغي متى خرجوا وخالفوا رأى الجماعة، وشقوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف؛ أن قتالهم واجب بعد إنذارهم والإعذار إليهم) اهـ.

4- وكذلك ابنُ قُدامةَ رحمه الله قال: (أجمَعَتِ الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم على قِتالِ البُغاةِ). ((المغني)) (8/ 523).

5- وكذلك بَهاءُ الدِّينِ المَقدسيُّ رحمه الله قال: (اجتَمَعَتِ الصَّحابةُ رِضوانُ اللهِ عليهم على قِتالِ البُغاةِ). ((العدة شرح العمدة)) (2/ 186).

6- وكذلك النَّوويُّ رحمه الله قال: (هذا تَصريحٌ بوُجوبِ قِتالِ الخَوارِجِ والبُغاةِ، وهو إجماعُ العُلَماءِ). ((شرح النووي على مسلم)) (7/169- 170).

7- وكذلك أبوبكر بن العربي رحمه الله قال: ( هذه الآية أصل في قتال المسلمين، والعمدة في حرب المتأولين، وعليها عوَّل الصحابة، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة، وإياها عني النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
تقتل عمارًا الفئة الباغية) [أحكام القرآن] (١٢٦/٤ ).

ثانيًا: التحذير من خداع حميدتي وربعه المرتزقة:
لقد انكشف أمر هذا الرجل؛ كان يتزيَّن بكلامٍ عن الوطن والدين، فإذا هو ذئبٌ من ذئاب الجاهلية، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤–٢٠٥]؛ وهذه الآية وكأنها نزلت وصفًا لحاله وحال مليشياته؛ قولٌ منمَّق، ووعودٌ برَّاقة، وواقعٌ من الدمار والقتل والنهب والتشريد!
فلا يُغترَّ بخطابه، ولا يُلتفت إلى دعايته، فإنها كلام المنافقين الذين يتلونون بحسب المصالح.

ثالثاً: واجب العلماء وطلبة العلم:

على أهل العلم أن يبيِّنوا الحق، وألا يسكتوا عن البغي والعدوان، فإن السكوت عن الظلم خيانةٌ للدين والأمة؛ كما قال شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: (فالساكت عن الحقِّ ‌شيطان ‌أخرس عاصٍ لله مُراءٍ مداهنٌ إذا لم يخف على نفسه) كما في (الداء والدواء) [ص: 375].
فبيانُ الحقِّ في هذه القضيَّة ليس انحيازًا سياسيًّا كما يروِّج المرجفون، بل هو نُصرةٌ لدين الله وردٌّ للبغي والطغيان، وإقامةٌ لميزان العدل الذي أمر الله به، ولو كره الحاقدون. ومن الواجب على العلماء والمشايخ وطلبة العلم والدعاة أن يكونوا في طليعة المبيِّنين، ويُربُّوا الناسَ على الفقه في الفتن، ويعلِّموهم التمييز بين صوت الحقِّ وصليل الباطل، وألَّا يُستَدرَجوا إلى مواقف أهل التخذيل والتلبيس الذين يُزيِّنون الصمتَ باسم الحكمة، أو يُبرِّرون الخيانةَ باسم الحياد، أو يُردِّدون أباطيلَ الإعلام المأجور الذي قلب الحقائق فصار الباغي ضحيةً، والمظلومُ متَّهمًا.

بل الواجبُ أن يصدع المسلمُ بالحقِّ إذا التبسَتِ الأمور، وأن يقفَ حيثُ أوقفه الشرعُ، لا حيثُ دفعته الأهواءُ أو الحساباتُ الدنيوية، فالعبرةُ بما وافق الدليل لا بما أرضى الجماهير. ومن خانَ الحقَّ يومَ يُنتهكُ الدمُ، فلن تنفعَه حياديَّةٌ ولا مجاملةٌ إذا وقف بين يدي الله وسُئل: (لمَ سَكَتَّ حين صرخَ المظلوم؟!)

رابعاً: الفاشر… الجرح الذي فضح البغي وسكوت العالم:

الفاشر اليوم ليست مدينةً تُحاصَر، بل أمَّةٌ تُختبَر؛ تُقصفُ المساجدُ فوق رؤوس العابدين، وتُحرقُ البيوتُ على ساكنيها، وتُغتالُ الطفولةُ في المهد، والعالمُ يكتفي بمشاهدٍ باردةٍ وبياناتٍ خاوية! أينَ الضميرُ الإنساني؟ أينَ مَن يزعمون الدفاعَ عن العدالة والحرية؟ إنهم صامتون صمتَ القبور، لأنَّ القاتلَ هذه المرَّة يملكُ السلاحَ والدعمَ والغطاءَ السياسيِّ.
لقد أثبتت مليشيا الدعم السريع أنها فئةٌ باغيةٌ متمرِّدةٌ، لا تعرفُ لله حرمةً ولا لعبادهِ ذمَّة، تسفكُ الدماءَ باسم (التحرير)، وتنهبُ الأموالَ باسم (العدالة)، وتغتصبُ وتروِّعُ وتدمِّرُ (بالوكالة!!) زاعمةً الإصلاح! كلَّا، والله، ما هم إلا عصبةُ طغيانٍ مجرَّدةٌ من كلِّ خلقٍ أو مروءةٍ، قد خلعوا ربقةَ الدين، وتمرَّدوا على كلِّ عرفٍ وإنسانيةٍ، فهم خوارجُ هذا العصر وإن لبسوا لبوسَ الثوَّار.

وإنَّ الواجب على كلِّ مسلمٍ غيورٍ أن يُدينَ هذا العدوانَ بلسانٍ صريحٍ لا يعرفُ المواربة، وأن يُسمِّي المجرمَ مجرمًا، والباغيَ باغيًا، وأن يُعلنها مدوِّيةً: الدفاعُ عن الفاشر وأهلها فريضةٌ شرعية، ونصرةُ المظلومين عبادةٌ لا خيارَ فيها. ومن رضي بالظلم أو سكتَ عن الجريمة، فقد شاركَ القاتلَ في جنايته ولو ببياضِ صمته.

يا أهل الإسلام، إنَّ صمتَ العالمِ عن هذه المذابحِ عارٌ في جبينِ الإنسانية، وإنَّ خذلانَ المستضعفين في السودان وصمةٌ لا يمحوها التاريخ. لا تتركوا الفاشرَ فريسةً لأنيابِ البغيِّ، فدماؤهم دماؤنا، وحُرماتهم حُرماتنا، وأرضهم من أرض الإسلام.

اللهمّ إنَّ هؤلاء المجرمين قد طغَوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصُبَّ عليهم سوطَ عذابك، وادفع عن الفاشرِ وأهلها ظلمَهم وعدوانَهم، وأرنا فيهم قدرتَك التي لا تُردُّ عن القوم المجرمين. اللهمّ اجعل الفاشرَ مقبرةً للباطل، ومنطلقًا لنصرِ الحقِّ، إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
اللهم احفظ السودان وأهله، واكفهم شرَّ البغاة والمفسدين، وانصر المستضعفين في الفاشر وسائر بلاد المسلمين، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بك وحدك، وأنت المستعان وعليك التكلان.

وكتب حزيناً باكياً:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي – قوَّى الله قلبه –
الثغر السكندري – حرسه الله – من الديار المصرية – المرابطة مع أهلنا في السودان الجريح –
الأحد: 4 / جمادى الأولى / 1447 هـ.

مواد ذات صلة