الأربعاء ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦
قناة الشيخ على تيليجرام
  1. الرئيسية
  2. المقالات

نصيحة الرفيق بخطر أهل التشقيق

١٧ شوال ١٤٣٩ هـ١ يوليو ٢٠١٨
المقالاتالصيام ورمضانالفقه والأحكام
*نصيحة الرفيق بخطر أهل التشقيق*

مقال قديم يكشف حقيقة أهل التشقيق في فتنة الحلبي كتبته عام ١٤٣٠ هجرية، ينطبق تمامًا على أهل التشقيق في فتنة ابن هادي، فقد قال الإمام الربيع في رأس هذه الفتنة: *"ليس عنده علم، ما عنده إلا الثرثرة والفتن"*. نقل ذلك الشيخ الفاضل عبد الله الظفيري ليلة الخميس ٢٩ رمضان ١٤٣٩ هجرية.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد:

التشقيق: مصدرٌ أصله الفعل (شقَّ)، قال أبو الحسين بن فارس: "الشين والقاف أصلٌ واحد صحيح، يدلُّ على انصداعٍ في الشيء، ثم يحمل عليه ويشتقُّ منه على معنى الاستعارة. تقول: شقَقت الشيء أَشُقه شقًّا، إذا صدعتَه. وبيده شُقوق، وبالدابّة شُقاق" [معجم مقاييس اللغة (٣/ ١٧٠)، ط: دار الفكر، تحقيق: عبد السلام هارون].

قلت: فلهذا الأصل يرجع لفظ "التشقيق" الذي يدلُّ على التعمُّقِ والتكلُّفِ في إخراج الكلام على أحسن مخرج، فكأنّ المتقعّر في كلامه لشدة تكلفه وتعمُّقه يشقّ اللفظ ويصدعه، أو كأنّ فمه يتشقق وينصدع أثناء تكلمه وتكلّفه.

وأهل الباطل عمومًا، يولون تحسين الألفاظ وتنميقها وسجعها والتقعّر فيها اهتماماً كبيراً؛ لأنّ هذا من وسائلهم الخبيثة في صرف الناس – عن الحق – إليهم، من خلال قلب الحقائق، واللحن في القول، فيستميلون قلوب الضعاف لفتنتهم.

لذلك خاف النبي – صلى الله عليه وسلم – على أمته لسان المنافق وحكمته الظاهرة.

فقد أخرج أحمد في "مسنده"، وابن بطة في "الإبانة" وهو في "الصحيحة" لمحدث العصر الألباني برقم (١٠١٣)، عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – مرفوعاً:
*"إنَّ أخوفَ ما أخافُ على أمتي كلُّ منافقٍ عليمِ اللسانِ"*.

وفي لفظ: *"إنما أخافُ على هذه الأمةِ كلَّ منافقٍ يتكلَّمُ بالحكمةِ و يعملُ بالجَوْرِ"*. [أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" وانظر "الصحيحة" (٧/ ٦٠٨)].

وأخرج الطبرانيّ في "الكبير"، وابن حبان في "صحيحه" والبزار في "مسنده" وهو في صحيح الترغيب والترهيب برقم (١٣٢) عن عمران بن حصين – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:
*"إنّ أخوفَ ما أخافُ عليكم بعدي كلُّ منافقٍ عليمِ اللسانِ"*.

فالمنافق العليم اللسان يوظف لسانته في *"تنفيق نفاقه، وترويج غشه وتلبيسه"*.

قال المناويُّ: "(كل منافق عليم اللسان)، أي: *عالم للعلم، منطلق اللسان به، لكنه جاهل القلب، فاسد العقيدة، يغرُّ الناس بشقشقة لسانه، فيقع بسبب اتباعه خلق كثير في الزلل*" انتهى. [فيض القدير" (١/ ٢٨٦) ط: العلمية].

وقال- أيضاً - كلاماً أنفسَ من سابقه:
*"(كل منافق عليم اللسان)، أي: كثير علم اللسان، جاهل القلب والعمل، اتخذ العلم حرفة يتأكَّل بها، ذا هيبة وأبهة *يتعزز ويتعاظم بها، يدعو الناس إلى الله ويفر هو منه، ويستقبح عيب غيره ويفعل ما هو أقبح منه*، ويظهر للناس التنسك والتعبد ويسارر ربه بالعظائم، إذا خلا به ذئب من الذئاب، لكن عليه ثياب، فهذا هو الذي حذر منه الشارع – صلى الله عليه وسلم – هنا *حذرا من أن يخطفك بحلاوة لسانه، ويحرقك بنار عصيانه، ويقتلك بنتن باطنه وجنانه"* اهـ. ["فيض القدير" (٢/ ٥٣١) ط: العلمية)]
فما أدق هذه الأوصاف التي يشمل بعضها من زيّن ظاهره بالشقشقة والاستكثار من العلوم والتعاظم بها على غيره، ولكنها لم تنفعه؛ لأنها لم تورثه خشية الله!

والمنافق يحرص على تحسين الظاهر وتزويقه وتنميقه، ومن ذلك شقشقة الكلام، بينما باطنه خراب في خراب، لأنه حُرم الفقه في الدين، فعلمه على لسانه لا في قلبه.

أخرج الترمذي في "سننه" وهو في "الصحيحة" برقم (٢٧٨)، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال:

*"خصلتان لا تجتمعان في منافق : حسن سمت، و لا فقه في الدين"*.

*"والسمت الحسن: التزيي بزي الصالحين، وتحري طرق الخير، والتنزه عن المعايب ظاهراً وباطناً، والفقه في الدين: ما وقع في القلب، ثم ظهر على اللسان، فأفاد العمل، وأورث الخشية والتقوى، وأما الذي يتدارس أبوابا منه ليتعزز به ويتأكل به فإنه بمعزل عن الرتبة العظمى؛ لأن الفقه تعلق بلسانه دون قلبه" اهـ. [بتصرف يسير من "تحفة الأحوذي" (٧/ ٣٧٨) ط: العلمية].

قال الحافظ ابن رجب – رحمه الله -:
"قال ابن مسعود وغيره: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله جهلاً، وقال بعض السلف: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية. وقال بعضهم: من خشي اللهَ فهو عالم، ومن عصاه فهو جاهل ... وسبب ذلك أن هذا العلم النافع يدل على *أمرين*: أحدهما: على معرفة الله، وما يستحقه من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الباهرة، وذلك يستلزم إجلاله، وإعظامه، وخشيته، ومهابته، ومحبته، ورجاءه، والتوكل عليه، والرِّضى بقضائه، والصبر على بلائه.
*والأمر الثاني*: المعرفة بما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويسخطه، من الاعتقادات، والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال، فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما فيه محبة الله ورضاه، والتباعد عما يكرهه ويسخطه. فإذا أثمر الع
لم لصاحبه هذا فهو علم نافع، فمتى كان العلم نافعاً ووقر في القلب فقد خشع القلب للَّه، وانكسر له، وذلَّ؛ هيبةً، وإجلالاً، وخشيةً، ومحبةً، وتعظيماً. ومتى خشع القلب للَّه وذل وانكسر له قنعت النفس بيسير الحلال من الدنيا، وشبعت به، فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا …" اهـ. ["بيان فضل علم السلف على علم الخلف" ص (٧٢-٧٤) ط: دار البشائر].

وعن أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال : خطب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خطبة خفيفة ، فلما فرغ من خطبته قال: "يا أبا بكر قم فاخطب"، فقصر دون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، فلما فرغ من خطبته قال: "يا عمر قم فاخطب"، فقام فخطب فقصر دون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – و دون أبي بكر ، فلما فرغ من خطبته قال: "يا فلان قم فاخطب"، فشقَّق القول، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: *"اسكت – أو اجلس – فإن التشقيق من الشيطان، و إنَّ من البيان لسحراً"* و قال: "يا ابن أم عبد قم فاخطب". فقام ابن أم عبد، فحمد الله ، و أثنى عليه ثم قال : يا أيها الناس، إنَّ الله – عز وجل – ربنا، و إنَّ الإسلام ديننا، و إنَّ القرآن إمامنا، و إنَّ البيت قبلتنا، و إنَّ هذا نبينا – و أومأ بيده إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – رضينا ما رضي الله تعالى لنا و رسوله، وكرهنا ما كره الله تعالى لنا و رسوله.
فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: "أصاب ابن أم عبد، أصاب ابن أم عبد و صدق، رضيت بما رضي الله تعالى لي ولأمتي؛ ابن أم عبد".
[أخرجه الطبراني في “الكبير” وأورده الإمام الألباني في “الصحيحة” برقم (١٢٢٥)].

وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" برقم (٨٧٥) وصححه الإمام الألباني في صحيح الأدب المفرد عن ابن عمر قال:
“قدم رجلان من المشرق خطيبان على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فقاما فتكلما ثم قعدا. وقام ثابت بن قيس؛ خطيب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فتكلم، فعجب الناس من كلامهما. فقام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخطب، فقال:
*"يا أيها الناس ! قولوا قولكم، فإنما تشقيق الكلام من الشيطان"*.
ثم قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "إن من البيان سحراً".

وأتبع هذا الحديثَ الإمامُ البخاري في "الأدب المفرد" بأثر صحح إسناده الإمام الألباني عن أنس – رضي الله عنه -قال:

خطب رجل عند عمر، فأكثر الكلام، فقال عمر - رضي الله عنه -: *"إن كثرة الكلام في الخطب من شقاشق الشيطان"*.

وعلّق الإمام الألباني في الحاشية بقوله:
"الشقاشق": جمع "الشقشقة"، قال في "المعجم الوسيط" : هي شيء كالرئة، يخرجه الجمل من فيه إذا هاج وهدر. قال ابن الأثير: شبه الفصيح المنطق بالفحل الهادر، ولسانه بشقشقته، *ونسبها إلى الشيطان؛ لما يدخل فيه من الكذب والباطل وكونه لا يبالي بما قال*" انتهى.

واعلم – وفقني الله وإياك لمرضاته – أنّ البلاغة التي أمر الله – تعالى – بها رسوله في محاجة المنافقين في سورة النساء في قوله: (أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً)[النساء: ٦٣]
هي البلاغة المطلوبة شرعاً، وهي أبعد ما تكون عن التشقيق والتقعّر؛ لأنها قائمة على تكميل المعاني وتبيين المباني، فلا تكون العبارة ناقصة تحتاج إلى ما يكملها في معناها أو مبناها؛ لذلك قال الطبري – رحمه الله – في تفسير الآية:
"مرهم باتقاء الله، والتصديق به، وبرسوله، ووعده ووعيده" انتهى.

ولا ريب أنّ أكمل المعاني، وأجمل المباني وأبينها ما اشتمل على هذه المقاصد الجليلة، فأين المشققون للكلام، المتقعرون فيه، المتفيهقون الباغون للبرآء العنت من هذه المقاصد !

وقوله – صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ من البيان لسحراً"[متفق عليه]

*يحتمل المدح والذم*، وذلك بحسب مقاصد البيان وصفته كما تقدم.

نقل ابن حجر في الفتح [(٩/ ١٤٤)]ط: دار مصر للطباعة] عن ابن التين قوله:
"والبيان نوعان؛ الأول: ما يبين به المراد. والثاني: تحسين اللفظ حتى يستميل قلوب السامعين، والثاني هو الذي يشبه بالسحر، *والمذموم منه ما يقصد به الباطل*، وشبهه بالسحر لأن السحر صرف الشيء عن حقيقته" اهـ.


فالبيان الواضح القائم على جمال العبارة، واختصار اللفظ دونما إخلال، البعيد عن التشقيق، والسجع المتكلف، والذي يؤدي المعنى المطلوب دون تطويل، وتكون مقاصده حسنة طيبة مشروع، أما تشقيق الكلام فمذموم مطلقاً، وفرق ما بين الاثنين.
ولانّه يغلب على كثير من أهل البيان التقعّر والتشقيق عدّه الشرع نفاقاً، فقد أخرج أحمد، والترمذي، والحاكم – وصححه على شرط الشيخين وأقرَّه الذهبي – وهو في صحيح الجامع للإمام الألباني برقم (٣٢٠١) عن أبي أمامة – رضي الله عنه – مرفوعاً:
*"الحياء و العِيُّ شعبتان من الإيمان، و البذاءُ و البيانُ شعبتان من النفاق"*.

قال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" [(٦/ ١٤٧)ط: العلمية] مفسراً (البيان):

"أي: الفصاحة الزائدة عن مقدار حاجة الإنسان، من التعمق في النطق وإظهار
التفاصح؛ للتقدم على الأعيان. وقال في المجمع: أراد بالبيان ما يكون *سببه الاجتراء، وعدم المبالاة بالطغيان، والتحرز عن الزور والبهتان*" اهـ.
وقال المناوي في فيض القدير [ (٣/ ٥٦٨) ط: العلمية)]:
"(شعبتان من النفاق) بمعنى أنهما خصلتان منشأهما النفاق، والبيان المذكور هو التعمق في النطق، والتفاصح، *وإظهار التقدم فيه على الغير؛ تيها وعجباً*، وقد يتملق الإنسان إلى حد يخرجه إلى صريح النفاق وحقيقته، قال القاضي: لما كان الإيمان باعثاً على الحياء والتحفظ في الكلام والاحتياط فيه، عد من الإيمان، وما يخالفهما من النفاق.." اهـ.

وأخرج أحمد في "مسنده"، وأبو داود، والترمذي في "سننهما" وهو في "الصحيحة" برقم (٨٨٠) عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- مرفوعاً:
*"إن الله عز وجل يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها"*.

قال في "النهاية":
"هو الذي يتشدق في الكلام، ويفخم به لسانه، ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفاً" انتهى.

ومن طرائف ما روي من أخبار أهل التشقيق، ما ذكره الذهبي في "السير" (١٠/ ٥٤٧) في ترجمة *هشام بن عمرو الفوطي المعتزلي* المتوفى بعد المئتين:
قال المبرد: قال رجل لهشام الفوطي: كم تعد من السنين؟
قال: من واحد إلى أكثر من ألف.
قال: لم أرد هذا، كم لك من السن ؟
قال: اثنان وثلاثون سناً.
قال: كم لك من السنين؟
قال: ما هي لي، كلها لله.
قال: فما سنك ؟
قال: عظم.
قال: فابن كم أنت؟
قال: ابن أم وأب.
قال: فكم أتى عليك؟
قال: لو أتى علي شيء لقتلني.
قال: ويحك ! فكيف أقول؟
قال: قل: كم مضى من عمرك؟" اهـ .

قال الذهبي – رحمه الله – معلقاً:
"قلت: هذا غاية ما عند هؤلاء المتقعرين من العلم، عبارات وشقاشق لا يعبأ الله بها، يحرفون بها الكلم عن مواضعه قديماً وحديثاً، فنعوذ بالله من الكلام وأهله" اهـ.

والله اعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه
أبو عبد الرحمن
رائد بن عبد الجبار المهداوي
٥/ ٤/ ١٤٣٠ هجرية.
وأعيد النظر فيه بتاريخ
١٦ / ١٠/ ١٤٣٩ هجرية.

https://t.me/raedalmihdawi

مواد ذات صلة