الأربعاء ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ|٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦
قناة الشيخ على تيليجرام
  1. الرئيسية
  2. الردود

التآلف على السنة لا يكون على حساب السنة

١٨ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ٣١ أغسطس ٢٠٢٦
الردودالمنقولاتالرد على خالد الظفيريالمنهج والدعوة السلفيةالرقائق والآداب
مقال منقول👇
(التآلف على السنة لا يكون على حساب السنة)

[ردا على صوتية الشيخ خالد الظفيري في الدعوة إلى الأخوة والتآلف]

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فقد استمعت إلى صوتية الشيخ خالد الظفيري - هداه الله ووفقه للحق - وما تضمنته من الدعوة إلى الأخوة والتآلف والمحبة بين السلفيين، والاستدلال على ذلك بحرْص شيخنا الإمام العلامة ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله على جمع الكلمة وائتلاف القلوب.

ولا نزاع في أصل الدعوة إلى الأخوة، ولا خلاف في فضل التآلف، ولا اعتراض على جمع كلمة أهل السنة؛ وإنما الاعتراض كل الاعتراض على توظيف كلام الإمام ربيع رحمه الله في غير موضعه، وانتزاع بعض عباراته من سياق منهجه، ثم جعلها حجة على السكوت عن مخالفات منهجية، أو ستارا يحول بين أهل السنة وبين البيان.

وهنا موطن العجب، ومحل العتب!

فالمتكلم ليس بعيدا عن مدرسة الإمام ربيع، ولا غريبا عن منهجه، بل هو ممن عُرف بالتتلمذ عليه والأخذ عنه والانتساب إلى طريقته.

فكيف يُنتظر ممن عرف الإمام ربيع عن قرب، وقرأ منهجه، وسمع توجيهاته، وعرف مواقفه، أن يختزل طريقته في كلمات عن الأخوة والتآلف، ثم يغض الطرف عن عشرات المواقف التي كان فيها الإمام رحمه الله من أشد الناس صيانة للمنهج، وذبًّا عن السنة، وتحذيرا من الانحراف؟

كيف حُفظت منه عبارات التآلف، وغابت مواقفه في البيان؟
وكيف استُحضرت كلماته في جمع القلوب، وغابت صولاته في حماية المنهج؟
وكيف أُبرزت رحمته بأهل السنة، وطُويت غيرته على السنة؟

أهذه قراءة لمنهج الإمام ربيع، أم قراءة انتقائية منه؟

أهذا اتباع لطريقته، أم اقتطاع من طريقته وتوظيفه على حسب هوى النفس؟

أهذه أمانة في حمل منهجه، أم توظيف لاسمه في غير موضعه؟

الإمام ربيع لم يكن إمام التآلف المميع...

إن الإمام ربيع رحمه الله لم يكن داعية إلى أخوة سائبة، ولا إلى اجتماع ضبابي، ولا إلى تآلف بلا ضابط؛ وإنما كان يدعو إلى الأخوة على السنة، والاجتماع على الحق، والتآلف الذي تحفظ به السنة، وتصان به جماعة أهلها، وتسد به أبواب الفتنة والفرقة.

كان يجمع، نعم؛ لكن على السنة.

وكان يؤلف، نعم؛ لكن على الحق.

وكان يحارب الفرقة، نعم؛ لكنه كان يحارب كذلك أسبابها من الأهواء والانحرافات والمناهج الدخيلة.

وهذه هي القضية التي ينبغي ألا تُطمس تحت بريق الكلمات:

ليس كل خلاف يفسد الأخوة، ولكن ليس كل خلاف يجوز أن تُستعمل الأخوة لدفنه.

فإذا كان الخلاف في مسألة اجتهادية، أو زلة عارضة، أو أمر لا يمس أصول السنة؛ فباب العفو واسع، ومجال الإصلاح رحب، والتآلف مطلوب.

أما إذا تعلق الأمر بمخالفة منهجية مؤثرة، أو بموقف يمس أصول أهل السنة، أو بقضايا شرعية عظيمة تتعلق بالدماء والسلطة والفتن ووحدة المسلمين؛ فهنا لا يصح أن يُختزل الأمر في عبارة: «هذه حظوظ نفس مغلفة بثوب الدين».

بل لا بد من علم وتثبت، وتحقيق وتفصيل، وعدل وبيان.

ومن أطلق مثل هذا الحكم قبل أن يدرس حقيقة النزاع وأسبابه ومآلاته، فقد يظن أنه يطفئ الفتنة، وهو في الحقيقة قد يزيدها اشتعالا؛ لأنه قد يخذل المحق، ويبرئ المخطئ، ويسوي بين المتنازعين، ويجعل الحق والباطل في منزلة واحدة.

فيا للعجب من انتقاء منهج الإمام!

لقد عرف الناس الإمام ربيع رحمه الله رجلا إذا تعلقت القضية بالسنة اشتد عوده، وعلت كلمته، وقوي بيانه.

وإذا رأى مخالفة لأصول أهل السنة لم يدفنها تحت ركام المجاملات.

وإذا رأى انحرافا مؤثرا لم يقل: لنجتمع وننسى الخلاف.

وإذا رأى باطلا لم يطفئ نور البيان خشية أن تتفرق الكلمة.

فأين هذا كله من تصوير ما يجري اليوم وكأنه مجرد تشاحن شخصي وحظوظ نفس؟

وهل كانت معارك الإمام ربيع مع المخالفين كالحلبي والمأربي وفالح وعبد الرحمن عبد الخالق وعدنان عرعور وأمثالهم مجرد خصومات شخصية؟

وهل كان رحمه الله يقول لأهل السنة: اشتغلوا بالعلم والتوحيد واتركوا الكلام في هؤلاء؟

كلا!

بل كان يرى أن الرد على المخالف، وبيان الانحراف، والتحذير من أهل الأهواء، والذب عن السنة، من العلم ومن نصرة السنة.

وهذا هو الفهم الذي ينبغي أن يُعرف به الإمام، لا أن تُنتقى منه جملة توظف حسب الهوى، ثم تحكى على أنها منهجه.

يا من عرفت الإمام ربيع، لا تختزل منهجه!

يا شيخ خالد!

إن كنت قد أخذت عن الإمام ربيع حقا، وعرفت طريقته حقا، فأنت أعلم الناس أنه لم يكن من دعاة الرمادية، ولا من أصحاب أنصاف المواقف، ولا ممن يجعلون العبارات العاطفية جسرا يعبر عليه المخالف من غير بيان ولا محاسبة.

فلا تجعل تتلمذك على الإمام شاهدا عليك من حيث أردت أن تجعله شاهدا لك.

ولا تستنصر باسمه في موطن كان رحمه الله فيه أول من يطالبك بتحقيق الواقعة، وتحرير محل النزاع، ومعرفة المخالفة، وبيان حكمها.

لا تجعل منهج الإمام ربيع محلَ اقتباسات تنتقي منه ما وافق موقفك، ثم تترك ما خالفه.

فمنهج الإمام ربيع رحمه الله ليس «أخوة» مجردة.

وليس «تآلفا» مجردا.

وليس «محبة» مجردة.
بل هو منهج أخوة على السنة، وتآلف على الحق، ومحبة في الله، وبيان عند الخطأ، وتحذير عند الانحراف، وصلابة حين تمس السنة وأصولها.

فلا تأخذ من منهجه جانبه الذي يوافقك، وتدع جانبه الذي يلزمك!

ولا ترفع كلماته في التآلف، ثم تسكت عن مواقفه في صيانة المنهج!

ولا تستشهد بحرصه على جمع السلفيين، ثم تغفل حرصه على ألا يكون اجتماعهم على حساب السنة!

والأعجب من ذلك أن يُقال للسلفيين في أوروبا: اشتغلوا بالعلم، وانشروا التوحيد والسنة، واتركوا هذه الفتنة!

وكأن الذب عن السنة ليس من العلم!

وكأن بيان الخطأ ليس من العلم!

وكأن التحذير من الانحراف ليس من السنة!

وكأن حماية الشباب من دعاة الفتن ليست من نصرة التوحيد والسنة!

فأي علم هذا الذي يُطلب من طالب العلم أن يتعلم به السنة، ثم إذا رأى من يخالفها قيل له: لا تتكلم؟

وأي توحيد هذا الذي يُدرَّس في الكتب، ثم يُطلب من أهله أن يسكتوا حين تُخدش أصول أهل السنة في الواقع؟

إن العلم ليس حفظ المتون وترديد المصطلحات فحسب؛ بل العلم بصيرة تهدي، وميزان يزن، وموقف يحق الحق ويبطل الباطل.

والسنة ليست نصوصا تحفظ ثم توضع على الرفوف، بل منهج يحيا به المسلم، ويذب عنه، ويعرف به أهل السنة من أهل الأهواء.

ومن أعظم نشر التوحيد والسنة: صيانتهما من التمييع، وحماية أصولهما من التحريف، وتحذير الناس ممن يلبس الباطل لباس الحق.

فبالله عليك يا شيخ خالد: أقضية اليمن، وما يتعلق بموقف عرفات ومشايخ عدن من ولي الأمر الشرعي، وما ترتب على ذلك من قتال وإراقة للدماء، وما رافقه من دعوات إلى تقسيم اليمن والانفصال؛ أتُختزل كل هذه القضايا في شعار الأخوة والتآلف؟!

أهذه مجرد خصومة شخصية حتى يقال: دعوا الفتنة وانشغلوا بالعلم؟!

أين التحقيق في الوقائع؟ وأين التثبت من الحقائق؟ وأين البيان للحكم الشرعي؟ وأين توجيهات العلماء في هذه النوازل؟

إنها ليست مسائل هامشية، ولا خصومات عابرة بين أفراد، حتى تُطوى بعبارة «حظوظ النفس»، بل قضايا عظيمة تتعلق بالدماء، والسلطة، ووحدة البلاد، ومواقف شرعية ومنهجية لا يجوز أن تُغطى بشعارات الأخوة، ولا أن تُدفن تحت دعوى الانشغال بالعلم.

فكان الواجب عليك يا شيخ خالد في مثل هذه النوازل: التحقيق قبل الحكم، والتثبت قبل الإنكار، والبيان عند ثبوت المخالفة؛ لا تمييعٌ للقضية، ولا تسويةٌ بين المحق والمخطئ، ولا إسكاتٌ للبيان باسم التآلف.

بل هذه قضايا شرعية ومنهجية بيانها واجب بحسب الحاجة، ولا يجوز دفنها تحت شعار الأخوة.

والعدل يقتضي نصرة المحق لا تخذيله، وإظهار الحق لا طمسه، وبيان الخطأ لا تغطيته بشعار الأخوة والتآلف.

ويا شيخ خالد!

لسنا ضد الأخوة، ولا ضد التآلف، ولا ضد جمع كلمة السلفيين.

ولكننا ضد أن تتحول هذه المعاني الشرعية الجميلة إلى ستار يحجب البيان، أو جسر يعبر عليه الخطأ، أو سيف يسلط على الناصح، أو حجة يستعملها المخالف لإسكات أهل السنة.

ونقولها بوضوح:

التآلف على السنة لا يكون على حساب السنة.

والاجتماع على الحق لا يكون بإخفاء الحق.

والأخوة بين أهل السنة لا تكون بإسقاط الفوارق التي أقامها الشرع بين السنة والانحراف.

ومن أراد أن يقتدي بالإمام ربيع رحمه الله، فليأخذ بمنهجه كله؛ بعلمه وبصيرته، بعدله وصلابته، برحمته وغيرته، بدعوته إلى الاجتماع وتحذيره من الانحراف.

أما أن تأخذ من الإمام ربيع معنى الأخوة والتآلف، مجردا عن معناه في ضوء منهجه ومجموع مواقفه، فتحوّل هذه المعاني إلى مطية لتمرير مخالفات جسيمة؛ فهذا ليس وفاء لمنهج الإمام، بل اختزال لمنهجه، واجتزاء لمواقفه، ثم توظيف لاسمه في تزيين ما لا يقره منهجه.

بل لو كان الإمام ربيع رحمه الله حيا، وبلغه أن قضايا بهذه الخطورة تُمرَّر تحت شعار الأخوة والتآلف، لما كانت درته بعيدة، ولا كلمته خافتة، ولا بيانه مترددا؛ فكيف يُستدعى اسمه اليوم لتقرير موقف لو وقف هو على تفاصيله لكان أول المطالبين بتحقيقه وبيانه والحكم فيه بالحق والعدل؟!

فمنهج الإمام ربيع لا يُقرأ من جملة، ولا يُختزل في صوتية، ولا يُستدعى منه ما يوافق الهوى ثم تُهمل بقيته.

إنما يُعرف الإمام ربيع من مجموع مواقفه، ومنهجه، وميزانه، وصلابته في نصرة السنة.

فرحم الله الإمام ربيعًا؛ فقد كان يجمع ولا يفرّق، لكن على السنة.

ويؤلف ولا يميّع، على الحق.

ويرحم ولا يجامل، وينصح ولا يداهن.

ويحارب الفرقة، ويحارب كذلك أسبابها من الأهواء والانحرافات.

وهذه هي الأخوة التي نريدها.

وهذا هو التآلف الذي ندعو إليه.

وهذا هو الاجتماع الذي نحبه.

أخوة على السنة، وتآلف على الحق، ومحبة في الله، وبيان عند المخالفة، وعدل عند الحكم، وصلابة عند انتهاك حرمات المنهج.

فأما أن نختلف في الأصول، ثم نتفق على الصمت؛ ونرى المخالفات، ثم نتواطأ على التغاضي؛ ونسمع البيان، ثم نسارع إلى وصمه بأنه من حظوظ النفس؛ فذلك ليس جمعا للكلمة، وإنما جمع للمتناقضات، ولا هو إصلاح للصف، وإنما إضعاف لأهل الحق وتخذيل لهم.
وإن كان ظاهر كلامك - يا شيخ خالد - قد أوحى بانحياز إلى جانب الباطل، وتخذيل لمن قام بالبيان، والتماس الأعذار لمن نُسبت إليهم مخالفات جسيمة؛ غير أننا لا نستعجل في الحكم على مرادك، ولا نحمل كلامك أسوأ محامله، بل نحملك على أحسن المحامل، وننتظر منك بيانا يرفع هذا الإشكال ويكشف حقيقة موقفك.

فالعدل يقتضي ألا نخذل المحق، ولا نبرئ المخطئ، ولا نسوي بين من يبين الحق ومن يخالفه؛ وإنما نعطي كل ذي حق حقه، ونزن الأقوال والمواقف بميزان الكتاب والسنة ومنهج السلف.

والله المستعان، وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وكتب:
أبو العباس بلال بن عبد الغني السالمي عفا الله عنه
مطروح الاثنين ١٨ ربيع الأول ١٤٤٨ هجرية

مواد ذات صلة